الشيخ محمد رشيد رضا

174

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أصلا ترجع اليه نصوص الكتاب والسنة ولو بالتأويل ، وقد علمنا أن بعض الذين اطلعوا على هذه الحاشية في مجموعة الحديث لم يفهموها فاضطربوا فيها ولهم العذر فإنها على غرابة موضوعها وجيزة لم توضح المقام لأمثالهم كما كان يجب ، ولكن لها فيما سبق من المسائل والمباحث في رؤية الرب تعالى نظائر تغني من استحضرها عن الايضاح ولا بأس مع ذلك من زيادة فيه وان لم تخل من تكرار لبعض القضايا تقدم أن البشر لم يصلوا إلى الإحاطة بكنه شيء من حقائق هذه المخلوقات وإنما يعرفون منها ظواهرها وبعض خواصها وسنن الخالق فيها ، فهم أولى بالعجز عن ادراك حقيقة الخالق وصفاته وأفعاله ، وإنما عرفوه سبحانه وعرفوا صفاته وأفعاله بآياته الكونية في خلقه ، وآياته الكلامية المنزلة على رسله ، ففي كل شيء له آيات تدل على وحدانيته وعلمه ومشيئته وقدرته وحكمته ورحمته ، فهو تعالى ظاهر في كل شيء بدلالته عليه وباطن في كل شيء بحجب عبده به عنه ان اشتغال العبد بشؤون الخلق بحجبه عن معرفة ربه وعن مراقبته وعن عبادته وعن شكره إذا هو اشتغل بها لذاتها وما له من اللذة والمنفعة العاجلة فيها ، كما أنها تكون آيات ودلائل لمعرفته ووسائل لمراقبته وبواعث لعبادته وذكره وشكره إذا هو نظر فيها بهذه النية ، وان تجليه سبحانه للأبرار في الآخرة يكون بقدر هذا - كما أن حجب الفجار عنه يكون بقدر مقابله الذي ذكر قبله ( جَزاءً وِفاقاً ) فسعة العلم بالكون وسننه ونظامه ومنافعه قد تكون من أسباب سعة المعرفة باللّه والكمال الذي يقرب منه ، وقد تكون من أسباب الجهل باللّه والبعد عنه ، ولو كان هؤلاء العلماء الذين عرفوا في هذا العصر أضعاف ما نقل عن الأولين من أسرار هذا العالم قد نظروا فيه بنور اللّه واهتدوا في مباحثهم بهداية وحيه لوصلوا إلى درجة عالية من الكمال - على أن ارتقاءهم في الأسباب ونجاحهم المتصل في كشف أسرار العالم لا بد أن ينتهيا بهم إلى المعرفة الصحيحة والعبودية الكاملة التي بينها الرب سبحانه في آخر كتبه للبشر على لسان خاتم رسله لهم كما أرشد اليه في قوله ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ، أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) ذلك بأنهم سيجدون في حقائق العلوم التي يهتدون إليها باتصال أبحاثهم